عبد الكريم الخطيب

534

التفسير القرآنى للقرآن

ولكن شتان بين هذا النظم ، وبين ما جاء عليه النظم القرآني المعجز . . ففي النظم القرآني ، يقوم على الأمر نذير مبين ، وعلى رأس النهى يقوم هذا النذير المبين أيضا . . إن هذه دعوته ، وتلك دعوته وهو بهذا يأمر ، وبذلك ينهى . . فإذا أخذ المأمور بما أمر به ، وانتهى المنهىّ بما نهى عنه - كانت نجاته ، وكانت سلامته ، وكان فوزه . . أما إذا أخذ بواحدة دون الأخرى ، فهيهات أن يسلم ويبلغ مأمنه . . فقد يفر المرء إلى اللّه ، ومعه إله أو آلهة أخرى يحملها في كيانه ، ويحتفظ لها بمكانها من قلبه . . وقد لا يجعل الإنسان مع اللّه إلها آخر ، ولكن قد يكون ذلك كمجرد فكرة حبيسة في عقله ، أو نظرية فلسفية تقيم بناء منطقه الفلسفي . . ثم لا يكون لهذه الفكرة أو تلك النظرية منطلق نزوعىّ أو سلوكى ، يرد به موارد الهدى ، ويسلك به مسالك الخير . . والفرار إلى اللّه يجعل من الإيمان به حركة دائبة إلى العمل الطيب القائم في ظلّ هذا الإيمان . . واستصحاب الإيمان باللّه ، إيمانا خالصا من الشرك في حال الفرار إليه ، يجعل هذا الفرار محمود العاقبة ، بالغا بصاحبه مأمنه . . قوله تعالى : « كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ » . . هو بيان لحال هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع اللّه إلها آخر ، إنهم